في عالم تتسارع فيه التحولات؛ تمثل فكرة الوقف الإسلامي حالة مثلى من الثبات المتجدد، أصل يُحبس لبقائه، ونفع يُطلق لنمائه، لتسمو هذه الفكرة جامعة بين الإيمان والاقتصاد، بين عبادة الأعيان ونماء الإنسان، بين لذة البذل ودوام الأثر.
غير أن هذا المفهوم البديع – أعني الاستدامة – يسيء فهمه أحيانًا، وذلك باختزاله في المحافظة الصرفة على الأصل، دون النظر في نمو الوقف وتطويره، بينما الاستدامة في النمو المتزن، الذي يزيد الأصول ثباتًا، ويزيد الفروع نباتًا.
المقصد الأسمى والغاية الكبرى من الوقف
هي دوام النفع وبهذا امتاز الوقف على الصدقات؛ فراد الوقف استمرار المنفعة جيلاً بعد جيل؛ لذا، حرص الفقهاء على ترسيخ قاعدة «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة»، لتبقى الأصول محفوظة والمنفعة متجددة وهذا المقصد الأسمى يفرض على النظار والمشرفين أن يوازنوا بين حماية الأصل مع نمو المنفعة، فالوقف الذي لا ينمو؛ يذبل ومع التأكيد على ضرورة المحافظة على الأصل يجب التأكيد على أن الهدف الأسمى ليس بقاء المال، وإنما بقاء النفع في المال، فلا فائدة من أصل لا يدر، ووقف لا يثمر وقد يتوهم البعض أن الحرص على استدامة الوقف عقبة أمام النمو والتوسع، لكن هذا الفهم قاصر، فالاستدامة ليست ضد النمو، بل هي الإطار الذي يضمن أن يكون النمو آمنًا ومستمرًا، الوقف المستدام لا يخاطر بأصوله، لكنه في الوقت نفسه لا يركن إليها. إنما يسعى إلى تطوير أصوله وتنويع استثماراته، وبهذا ينمو الوقف ليبقى، ويجاري اقتصاد المرحلة، والفرص التي قوتها الجمود إن الجمود في المحافظة على الأصل سيقود الناظر إلى البكاء على أطلاله، فالثبات على الأصول لابد أن يكون مقرونًا بالتجديد في الوسائل، والتزام المقصد يجب أن يصاحبه إبداع في الإدارة فالوقف الحي هو الذي يجمع بين الثبات والنبات؛ ثابت في قيمه، ثابت في عطائه، ليبقى كما أراده الواقف؛ خيرًا متصلًا لا ينقطع.